|
صوفية السخيري بن حتيرة لـ"الملاحظ": "الفقهاء لا يمثلون الدين، والإسلام براء منهم"
تونس - الملاحظ حاورها فوزي عزالدين
2009/02/24
عن دار محمد علي للنشر صدر للأستاذة صوفية السخيري بن حتيرة كتاب مثير حول "الجسد والمجتمع" وهو دراسة أنتروبولوجية لبعض الاعتقادات والتصورات حول الجسد بافريقية في العهد الحفصى.
اهتمت الباحثة في بابه الاول "بالمرأة بين الثقافي والقدسي" وفي الباب الثاني بـ "المكان كقطب للتوتر والصراع" وفي الباب الثالث بـ "الجسد النحس أو فكرة السقوط في الجسد" وفي الباب الرابع بـ "حدود الجسد المرض والموت"...
وتكمن قيمة هذا الكتاب بالإضافة إلى البحث العميق في دراسة خصائص تلك الفترة واستخلاص جملة من النتائج المؤدية إلى إدانة الجسد الأنثوي هو أن صاحبته لم تتهرب من إبداء رأيها في جل المسائل والمقارنة بين الماضي والحاضر.
حول مضامين هذا المؤلف حاورت "الملاحظ" مؤلفته في هذه المساحة.
لماذا هذا الاهتمام بالجسد؟
يجب التذكير في البداية أن هذا الكتاب هو نسخة منقحة عن أطروحة دكتوراه في التاريخ حول الجسد والمجتمع دراسة أنتروبولوجية لبعض الاعتقادات والتصورات حول الجسد بإفريقية في العهد الحفصي من القرن السابع هجري إلى القرن التاسع هجري أي من الثالث عشر إلى الخامس عشر ميلادي.
أما بخصوص سؤالك حول الاهتمام بهذا المبحث، فهذا يعود إلى أن هذا المبحث قد وقع إهماله طويلا في البحث التاريخي. والثقافة العربية المعاصرة لم تول موضوع الجسد على أهميته عناية تذكر. فقد تم اغفاله والتغاضي عنه واخفاؤه في إطار اشكاليات عامة، فالعرب لم يكتبوا إلى يوم الناس هذا، تاريخهم الجسدي والجنسي الذي بإمكانه أن يساهم في جلاء المكبوت واللامفكر فيه في هذه الحضارة وأستطيع أن أقول لك أن جلّ الدراسات التي قاربت هذا الموضوع أو باشرته لم تجل صورة الجسد، بقدر ما جلت عاطفة جيّاشة أو معايير جمالية. ثم ان الجسد نظام من العلاقات الدالة والمنتجة للمعاني ،تعتبر حركاته إنتاجا ثقافيا يخضع لطبيعة الحضارة ونظام الثقافة، فللجسد لغة، سابقة عن لغة اللفظ والجسد ايضا وعاء لمعاني اجتماعية... كل هذه الأسباب جعلت من مبحث الجسد على مستوى التنظير والممارسة قطبا رئيسيا للاهتمامات المعاصرة ومرجعا ضروريا يتناول الفرد والمجموعة في كل الأبعاد.
كذلك من الاعتبارات الأخرى الدافعة لانجاز هذا المبحث أن الحياة تفرض على الإنسان أن ينظر إلى جسده يوما بعد يوم، كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشال برنار، فبالجسد وفي الجسد يحس الانسان ويعبر ويعمل ويتذكر ويحلم ويتخيل خاصة وأن الكثير من النظريات القديمة أخذت تنقرض وهي التي اعتبرت أن الجسد عائق وسجن ولحد يمنع نور الروح من الاشعاع ويشغل الناس عن العبادة.. لكن هذه النظريات للاسف الشديد مازالت راسخة في المجتمعات العربية الإسلامية، فالجسد في الفقهيات مدعو إلى الانضباط وفق معايير تدمجه في الجماعة وتستهويه إلى الايمان والطهارة وكبته بواسطة أنظمة طقوسية. طقوس المنع وطقوس التقنين وطقوس السيطرة أي سعي متواصل لمغادرة الجسد، مصدر أخطائنا ومزالقنا الأخلاقية، فوجدنا أن أمر هذا الجسد مذهل، نخفيه وهو الجزء المرئي من كياننا، نبعده عن الأنظار وهو ما به نرى ونحس الوجود.
لكن لماذا اخترت من التاريخ الاقصائي للجسد، الفترة الحفصية بالذات؟
أولا، لأني سبق وأن اشتغلت على هذه الحقبة الزمنية وبحثت في كل تفاصيلها الاجتماعية والثقافية.
ثانيا، هذه الفترة امتدت تقريبا على ثلاثة قرون، وشهدت نهضة علمية وفقهية كان رمزها ابن عرفة وابن خلدون وعرفت كذلك ازدهارا للخطاب الجنسي بصدور عدّة تآليف في هذا الغرض تناولت الجسد، فبدا لنا كأن هناك احتفاء بالجسدانية.
ويجمع الدارسون على أن العهد الحفصي يمثل ذروة الثقافة العربية في بلاد المغرب، وهذه الفترة تعتبر الرحم الذي حمل وأنجب حاضرنا، فالكثير من المعتقدات والتصورات والكثير من مواقفنا وتصرفاتنا اليوم ليست إلا تواصلا مع هذا الماضي، الذي مرّ كزمن لكنه طبع بعمق حاضرنا من خلال ما استبطته اللاوعي الفردي الذي هو ليس بإرث بيولوجي إنما يتكون خلال حركة نمو الفرد عبر التاريخ والزمن، انه ظاهرة ثقافية واجتماعية.
في سياق إشارتك إلى دواعي البحث في الجسد أشرت إلى جملة من الأسباب منها أسباب شخصية، فهل لنا أن نعرفها؟
كل دراسة ينجزها باحث، هي بدافع شخصي ومعرفي، ولا أقصد أن لها علاقة بتربيتي ونشأتي، فأنا حددت اختياري في مواضيع مسّتني وتفاعلت معها، وكان هدفي هو اخراج الجسد من الهامشية ووضعه على بساط الدرس الموضوعي، وأنا امرأة تونسية، وريثة المرأة الحفصية وأعيش في مجتمع متواصل مع تاريخه.
ان الميل إلى دراسة التاريخ الاجتماعي وبصفة خاصة تاريخ العقليات، هو سبب ذاتي، لأن الظواهر الاجتماعية والدينية والبعد التواصلي التاريخي يثيرني ويلفت اهتمامي.
وحاولت في هذه الدراسة الإلمام بمختلف الاشكاليات المرتبطة بالتصورات والاعتقادات المتعلقة والعالقة بالجسد في افريقية الحفصية والتي لا يزال بعضها مستمرا في وقتنا الحالي وخاصة الاعتقادات المرتبطة بالجسد الأنثوي... حاولت أن أقدم للقارئ كيف نظر وعامل وتعامل المجتمع الحفصي مع الجسد وخصصت جزءا كبيرا من البحث للجسد الأنثوي الذي كان ولا يزال يطرح اشكالا كبيرا في ثقافتنا العربية الإسلامية فأهتممت بـ جسد الافرازات، الجسد الطاهر، وجسد الولي الصالح مع الجسد المريض المتألم مع الجسد الميت أو الجثة.
هل تدرج هذا المبحث ضمن مقاربة نسائية أم ضمن سياقات التيار اللاّئكي الثائر ضد التراث والمرجعيات الدينية؟
لا أحمل اي خلفية ايديولوجية ولا أنتمي الى أي تيار سياسي قد أكون متعاطفة بحكم جنسي مع المرأة، ولكن هاجسي العلمي والاكاديمي هو الذي قادنى الى هذا المبحث.
لقد تحررت من العقد النفسية في البحث وخصصت جزءا كبيرا للمرأة لأن المرأة التونسية صنعت التاريخ إلى جانب الرجل. لكن التاريخ لم يذكرها وتنكر لها. وقد تقصدت أن أحلّي غلاف الكتاب بصورة لامرأة قرطاجنية بصدد القراءة.. فالمرأة لها ماض ولكن ليس لها تاريخ، والمصادر في الفترة الحفصية، ذكورية، صياغة ومضمونا.. وكان همي منحصرا في دراسة تاريخ العقليات السائدة، ومقاربتها ان أمكن لنا ذلك مع ما هو موجود حاليا.. هذا البحث يبقى في نهاية الأمر خاضعا لضوابط أكاديمية، ولمعايير موضوعية، لكني مررت آرائي في عدة أمور وقد تعاطفت عن وعي أو غير وعي مع المرأة الحفصية. لأني أضع نفسي في مكانها، فما عبثه على المجتمع الحفصي أن نظرته للمرأة بقيت ضمن رؤى خرفية أو وهمية للدين جعلت المرأة تعيش في مجتمع يدينها مسبقا بينما غض النظر عن مسائل عديدة أخرى، تتنافى مع ما جاء في التوصية الدينية..
الانطباع الاول الذي نخرج به من الكتاب أنك تلقين باللاّئمة على الفقهاء والمؤولين للنصوص الدينية؟
الفقهاء لا يمثلون الدين فمهمتهم هي تأويل النص القرآني الذي لا يعلم إلا اللّه تأويله، ووفق هذا التأويل سرنا ألف عام، فلا يوجد وسيط بين المسلم والإسلام.. ونحن نرى اليوم الحضور المكثف لهؤلاء الفقهاء في الفضائيات ليفتوا بالحلال والحرام.. وقد ازدادوا تصلبا وتزمتا مقارنة باجتهادات سابقة.. واعتقد ان الإسلام براء من هؤلاء الفقهاء ومن اجتهاداتهم.
شيطنة المرأة في اللاّوعي الاجتماعي، ما مردها حسب البحث الذي قمت به؟
صورة المرأة تشكلت في قطاع هام من الثقافة العربية في صورة كائن شيطاني متبرج باعث على القلق والخوف يشطب ويحجب وتسقط عليه المخاوف والمجتمع الحفصي كالمجتمعات العربية الإسلامية، نظر إلى المرأة نظرته إلى الشيطان فشبهت به، والشيطان من الشخصيات التي لا تغيب عن البال في الفكر الديني لما له من حضور في مجال الشر والقدرة على الاغراء وايذاء الإنسان وحثه على الحرام، ومما رسخ هذا الاعتقاد نصوص كثيرة في الحديث وفي كتب الفقه تدين المرأة وتحذر من الاغترار بها وتحث على اقصائها والحذر منها. من هذه الأحاديث ما ورد في كتاب أحمد التيجاني. ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء أو المرأة تقبل وتدبر في صورة شيطان.
هذا النوع من الاحاديث يثير عدة تساؤلات حتى لا نقول الشكوك، والعقل وحده قادر إذا لم يشله الخوف على استظهار مدى صحتها أو خطئها، لأن الأفكار الواردة في الأحاديث وتأويل الأحاديث، لاقت قبولا وانتشارا واسعا فتبنتها الثقافة الشعبية التي أفرزت ذخيرة مازالت تحتفظ بها كتب التراث وذاكرة الشعوب ترسخ فكرة دونية المرأة، ولا يرى فيها سوى مخلوق في رأسين. حورية وأفعى، الوجه الأفعوي التي بدت عليه المرأة في أغلب النصوص الواردة.... والأدب الجنسي في الفترة الحفصية، يبرز المرأة المخلوقة المحتالة، الشبقة المتحايلة على القانون والأعراف وعلى البعل.. والكثير من هذه الأفكار والمفاهيم السائدة في ذهنية الرجل الحفصي هي عبارة عن ترسبات وتراكمات تاريخية طويلة تمتد من عصور قبل إسلامية.
هذه الصورة الشيطانية لم تتلاش تماما اليوم من عقليتنا، بل بقيت كامنة دقيقة في الضمير الفردي والجماعي، فتحركنا من حيث نشعر ولا نشعر، تحريكا يتعاون حسب الأفراد وقوة حنينهم إلى الماضي.. ومن المهم التأكيد على ان هذه النظرة إلى المرأة لا تخص المجتمعات العربية فقط، بل نجدها في معتقدات الكثير من الشعوب، فنفس الموقف ساد الغرب المسيحي في نفس الفترة التاريخية أي الخوف والحذر والتحذير من المرأة لاعتبارها شيطانا وفتنة، وهو تصور له استمراريات في العصر الحاضر في مناطق عديدة من العالم.
لكن كيف تشكلت هذه الصورة الشيطانية، عن المرأة؟
ربما استمدت هذه الفكرة المتأصلة في النفوس جذورها من الخطيئة الأصلية فقد اتفقت اليهودية والمسيحية في الحديث عن أصل الخلق، وتصوير المرأة الحاملة الأبدية لذنب أمها حواء، والتي بسببها سقط آدم من مرتبته بعد أن أوعز لها الشيطان أكل ثمرة الشجرة التي نهاها عنها اللّه فاحتفظت الذاكرة بذلك التلازم بين المرأة وإبليس الذي أنذر بالايقاع بأبناء آدم حتى يحرمهم من الخلد.. ولكن بالنسبة إلى الإسلام وعلى عكس ما يذهب اليه الفقهاء، فإن الآيات القرآنية العديدة تظهر ان كلا من آدم وحواء كانا معا ضحية لاغواء الشيطان وهو ما ورد في الآيتين 35 و36 من سورة البقرة ..وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأنزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه، إذن يجب أن ننفي عن حواء الفكرة الموحية بالخطيئة وان بناتها شياطين وقرينات قوى الشر.
ولا شك أن الربط بين المرآة والشيطان لا يقصد به كونها شيطانا حقيقيا ولكن المقصود أنها أداة ممتازة من أدوات الاغراء وأن الشيطان يزين بها ومن خلالها كرمز للجنس مرغوب ومطلوب لدى الرجال فيوحي له بالمحرم الجنسي أي الزنا. وهو جريمة ضد التعاليم الدينية والوضع القائم وهو لذة محرمة جسدها الشيطان في تلبسه بصورة المرأة.
ولماذا ارتبطت المرأة دائما، بالفتنة؟
الفتنة هي اغواء وعصيان معا، إنها السحر والتمرد ذلك أن الرجال يعصون إرادة اللّه في ظل سحر المرأة. فيكون جمال المرأة طعما يؤدي إلى الخسارة والهلاك.... وتعني الفتنة كذلك المرأة الجميلة وهي تتضمن فكرة المرأة القدرية التي تفقد باغرائها الرجال وسيطرتهم على نفوسهم لما تتوفر عليه من جاذبية قاهرة تهزم إرادة الرجل المتمنعة وتحيل دوره إلى دور سلبي خاضع لا يملك إلا أن ينقاد إلى جاذبيتها ومن هنا كان الجمع بين المرأة والفتنة، أي بينها وبين القوى المضادة للمجتمع.
لكن من الضروري الاشارة إلى أن بعض المصادر تحدثت عمن اشتهر بالجمال من الرجال كنصر بن حجاج الذي نفاه عمر بن الخطاب لأنه فتن نساء المدينة، بل أن عمر بن الخطاب لما سمعه وهو يطوف في درب من دروب المدينة، جزّ شعره فزاد حسنا، فطلب أن يعتم والعمامة بالنسبة إلى الرجل تقوم بدور الحجاب، ففتن الناس فنفاه إلى البصرة، وفي البصرة فتن امرأة الأمير.
إذن، محصلة القول أن الجمال يثير الجذب في الجنسين. إذ يمكن للرجل أن يتسبب هو الآخر في الفتنة، فلماذا اعتبرت المرأة وحدها منبع الغواية والفتنة ولماذا فرض الحجاب على المرأة دون الرجل.. ان بذور الغواية والاغراء كامنة في صميم تكوين الانسان فلا موضع لاتهام أحد عبر الإرادة الشريرة نفسها، فلماذا انحصر اغراء ابليس في المرأة فقط مع كون المال أداة الاغراء والجاه والبنين والأنانية وغير ذلك من أدوات الشر والفتنة، فلماذا لا تدان هذه الأمور بنفس الدرجة.. لأننا انقدنا بكل بساطة إلى اجتهادات الفقهاء الذين قاموا باستبدال الإنسان بلفظ الرجل في الآية الكريمة..وخلق الإنسان ضعيفا.
وقد ذكر التيجاني في تحفة العروس إن اللّه جعل النساء في الآية 14 من سورة آل عمران في رأس الشهوات بتقديمه إياهن على جميع ما ذكر منها وذلك لتقدمهن في قلوب الرجال على جميعها، وإذا أخذنا بهذه المآخذ، فلماذا تدان المرأة وقد خلقها اللّه هكذا.
تفندين في كتابك أيضا، أن تكون البكارة بالنسبة إلى المرأة، شهادة شرف؟
العذرية ظاهرة طبيعية من وجهة نظر الفيزيولوجيا وهي علامة على العفة والشرف من وجهة نظر الأخلاق السائدة وهي إلى هذا وذاك قيمة اقتصادية إذا نظرنا إليها من وجهة نظر سعر المرأة في سوق الزواج لذلك اهتمت العائلة بالحفاظ عليها بوسائل متعددة، كمنع الاختلاط وذهبت بعض العائلات إلى ممارسات أخرى كالتصفيح بوصفه ممارسة سحرية مازالت قائمة في بعض الأوساط الاجتماعية، غايتها صيانة جسد الطفلة مشروع المرأة من أي اختراق ويسمى التصفيح، يمارس على البنت قبل سن الرشد والثاني ليلة زفافها لحل التصفيح.
وقد ذكرت مصادر عربية، بعض الحيل المنتهجة التي تستعملها الثيب لتصير كالبكر، وهي حيل يلجأ إليها النخاسون لبيع الجواري بأسعار باهضة، ويمكن ملاحظة استمرار هذه الحيل أو هذا التدليس لارجاع البنت بكرا، في الطرق الطبية الحديثة.
إن مفهوم غشاء البكارة يحصر المرأة في جسد مصون وان بشكل مزور لم تمسّ عفته ولكن هذه الممارسات والحيل يفقد رمزيته ومضمونه الأخلاقي لكنه يمثل المحافظة على الضوابط الاجتماعية وهو اقرار علمي بأن الشرف لم يمس، وبأن كل شيء مطابق لما يقتضيه التقليد، فالنظام يسود على الدوام والتشبث بالبكارة كان ومازال مستمرا في العقلية السائدة لدى الرجال وربما أكثر لدى النساء.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، إذا كان غشاء البكارة دليلا على شرف البنت فما هو الدليل على شرف الرجل، البعض يقول ان شرف الرجال في غير حاجة إلى دليل فهل معنى ذلك ان كل الرجال في حكم المجتمع شرفاء… ان المقاييس الأخلاقية التي يضعها المجتمع لا بدّ أن تسري على جميع أفراده بصرف النظر عن الجنس واللون أو الطبقة الاجتماعية، فإذا كان المجتمع يؤمن بالعفة في الجنس كقيمة أخلاقية فلا بدّ أن تسري هذه القيمة على جميع أفراده أما ان تسري على جنس دون آخر وعلى طبقة دون أخرى فهذا دليل على أن هذه العفة ليست قيمة أخلاقية وإنما هي قانون فرضه النظام الاجتماعي القائم.
ان مفهوم الشرف أوسع في الحقيقة من أن ينحصر في مدلوله الجنسي دون سواه فما من شك أنه يحتوي على أبعاد اجتماعية لا يمكن أن يستهان لها أو يستخف بوزنها في الثقافة، إذ أن المدلول الجنسي من أهم مقومات الشرف في الأخلاق السائدة وبسبب ذلك كثيرا ما يختزل في مظهره الفيزيولوجي المادي البحت، مما يحوله إلى أداة لاضطهاد المرأة في ذاتها.
ان تاريخ الأخلاق هو قبل كل شيء تاريخ الجسد، لذا نفهم ان الفقهاء قد بنوا الكثير من أحكامهم انطلاقا مما طالبوا به جسد المرأة والخوف من حياة المرأة الجنسية أدى إلى ممارسة بشعة ذهبت إليها عدة شعوب ليظل جسد المرأة جاهلا للذة الجنسية، بنوع من التلقيح ضد مخاطر الجنسانية لكي لا تحدث الفتنة التي تهدد النظام الاجتماعي القائم، وتمثلت في عملية الخفض وهي كالختان للغلام تقوم على بتر العضو الجنسي للمرأة وفق الطريقة الفرعونية وهي ممارسات سادت عند المصريين والفينيقيين والأثيوبيين وكانت عند العرب في الجاهلية.. فنستنتج أن المجتمع هو الذي ينحت رموزه ويطبع قوانينه في جسد أفراده ويتم ذلك بطرق مختلفة باختلافات المجتمعات والحضارات واختلاف الأزمنة.
موقفك من الحجاب كان حاسما ايضا اذ أوعزتيه الى ظروف تاريخية واجتماعية أكثر منها أمرا دينيا؟
أنا شخصيا ضد الحجاب، لأنه يكرّس رؤية المرأة لجسدها كعورة، ويكرس إحساسها بالدونية وتشبعها بالصورة التي رسمها لها مجتمع الرجال ويدل بصفة ضمنية على طاعة المرأة وتقبلها لخصوصيات جسدها، ثم ان الحجاب هو استنقاص من قيمة الرجل كإنسان مسؤول قادر على ضبط غرائزه وهو ما يميزنا عن الحيوانات.
الحجاب يمثل السمة البارزة للباس المرأة المسلمة وهو يعد اليوم محور اهتمامات العديد من البلدان الاسلامية وغير الاسلامية التي تتواجد بها جاليات إسلامية ويندرج هذا الاهتمام في نطاق تزايد الاهتمام بالاسلام على المستوى العالمي وبموقفه من قضايا متعددة ومنها وضعية المرأة وحقها في التعليم، وفي ممارسة النشاط السياسي.
وإذا عدنا إلى تاريخية نزول الحجاب، فإن المصادر تؤكد أن عمر بن الخطاب كان السبب الأصلي في نزول آية الحجاب على نساء الرسول، اذ يروي الطبري ان عائشة قالت . ان أزواج النبي كن يخرجن بالليل إذا تبرزت إلى المصانع وهو صعيد أفيح.. وبالرغم من أن لفظ الحجاب كان خاصا بنساء الرسول كما ذكرت فإن المفسرين والفقهاء لم يتفقوا على معنى واحد له، لأن عائشة زوج الرسول لم تفهم ذلك الحكم بمثل تلك الصلابة التي عبر عنها الفقهاء.
فالمسلمات قبل السنة الثامنة للهجرة كنّ غير متحجبات وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار الكيفية التي أجمع عليها أصحاب الأخبار التي لاقى بها الرسول زينب وهي آنئذ زوج ليزيد بن حارثة، إذ يقول الطبري انه دخل عليها فقابلته وهي متفضلة في ثيابها، وحادثته ولم تجد حرجا، بل لم يكن للحجاب وجود حتى السنة الثامنة للهجرة إذا اعتبرنا لفظ بناتك التي وردت في الآية 59 من سورة الاحزاب تعود على زينب بنت الرسول التي توفيت في تلك السنة.
ان أصل الحكم الديني كان يقضي أن لا تخرج المرأة سافرة الوجه والرأس إلا إذا كانت أمة لتتميز عن الحرة، وهذا ما كان مطبقا في المدينة.. لكن تطورت الأوضاع وتغيرت أخلاق كثير من الناس وضعف الشعور الديني فيهم، وكلها أمور دعت إلى تطوير الاجتهاد في هذا الحكم ففرض الحجاب حتى على الاماء.
وبينما كان الحجاب في الأول من العناصر التي كانت تفرق بين الاماء والحرائر أصبح دور الحجاب إلغاء الاثارة والاغراء ووسيلة للوقاية من الفتنة ودفعها واعتبار الجمال عاملا من عوامل الغواية، وهو هكذا يبدو كوسيلة لحماية الرجل وليس المرأة فهل عزيمة الرجل أضعف من عزيمة المرأة، وهل يعتبر الرجل أعجز من المرأة عن ضبط نفسه. وإن أردت سأذهب إلى أبعد من ذلك فعندما تتنكر المرأة بالحجاب فإنها تصبح مجهولة بين الناس، وتعلم ان القناع قد يبعث في النفس جرأة على ارتكاب المنكر، فقد يبدر منها أو إليها بادرة سوء اما اذا كانت سافرة فهي معروفة بشخصها وأشخاص أبيها وأمها وزوجها وأخيها وأسرتها. فتحترم ومن ناحيتها تصون شرفها خجلا من الناس إن لم تكن قوة شرف النفس التي على خير وسائل الدفاع متمكنة من نفسها.
تكتبين ضد منظور الجسد /الفتنة أليس كتابك بما يكشفه من حقائق أنتروبولوجية عن الجسد الانثوي هو فتنة أيضا؟
لقد تطرقت الى مواضيع حساسة مازالت من التابوات والممنوعات لكن العلم لا يعترف بها واعتقد ان الجرأة الحقيقية تكمن في نشر هذا العمل وعرضه على الناس وهذا يعنى أنني هيأت نفسي لان أكون عرضة للنقد وقد تكون هناك أفكار ومواقف صادمة لما تعودنا عليه في المجتمع ولا تروق للبعض لكن في كل الحالات أنا اتقبل كل ردود الفعل برحابة صدر لاني احترم الاختلاف و،لا أخشى في العلم لومة لائم.
في حقيقة الامر لا يمكننا أن نأتي على كل المواضيع في هذا الكتاب لكن يبقى لى سؤال مباشر هل أنت مع ضرورة القطع الراديكالي مع الماضي؟
في كثير من الاحيان لم تعد بعض الممارسات تعكس اي نوع من الفكر أو الموقف الاجتماعي وأصبحت اعتقادا سلوكيا وحياتيا ولكن ان نسيت الاصول فقد بقيت الرموز. لا يحق لنا أن نرى الماضي بمعايير اليوم وأن نحاسب الآخر بزمن سابق ولا يحق لنا أن نحكم على الماضي بعين الماضي الذي استمر في الوعي الجمعي، وهذا الماضي سلمنا حاضرنا وظلت بعض المعتقدات سارية المفعول في زمن تغيرت فيه الأحوال وأقصد المعتقدات حول المرأة وجسدها كمسألة الفتنة والعورة والبكارة والتصفيح.
ان الماضي بات من التاريخ ولا يمكن تغييره وليس من حقنا عزله عن الحاضر فهو مهمة مستحيلة لان ذلك يعني كسر حلقات الاستمرار التاريخي والتتابع الزمني بين جيل وآخر كما أنه ليس من حقنا حذفه ولا تعديله ولا تجاهله لان مهمة الغائه آمر مستحيل باستمراره في الوعي الجمعي في وحدة جمعية تعبر غن نفسها في الموروث والموروث هو الذاكرة والغاء الوعي الجمعي هو الغاء للذاكرة.. ولكن في المقابل من حقنا ان نختار من هذا الماضي ما نشاء فهذا الماضي هل صنعناه ام صنعنا.. وهذا الموروث الثقافي ينتمى الينا ام ننتمى اليه!!!.
|